القائمة الرئيسية

الصفحات

سأقولُ يومًا لأطفالى إننى زُرتُ العراق



 سأقولُ يومًا لأطفالى إننى زُرتُ العراق
فاطمه ناعوت


شهِدتُ الشمسَ تفتحُ عيونَها الجَسورَ على وسائد سماواتٍ، فيكونُ صُبحٌ فى بلاد، وشهدتُها ناعسةً تتدثرُ بدِثارها البرتقالى، ثم تهبطُ إلى الضفاف فى حياءٍ لكى تتحَمّم فى بحار وأنهار ومحيطات، فيكون شفقٌ، ثم غسقٌ، ثم ليلٌ.. فى بلاد. تفحّصتُ وجهَ القمر وناجيتُه مَحاقًا، ثمَ هِلالاً، ثمّ أحدبَ، ثم بدرًا.. فى سماواتِ بلادٍ، وأحصيتُ نجومَ الليل فى سماواتٍ وافتقدتُ الآفِلاتِ الهارباتِ من النجمات فى سماوات. حاورتُ الطيرَ وحاكيتُ العصافيرَ فى صفيرِها وشدوِها فى سماواتِ بلاد أُخَر.

طُفتُ أراضىَ وجُلتُ فى أراضٍ، وقطعتُ العالمَ شرقًا وغربًا، لكننى لم أزُرِ العراقَ. حططتُ رحالى فى كردستان العراق عام 2013، للمشاركة فى مهرجان «النيروز» الكردساتنى البهىّ. وفى آربيل الجميلة أكرمونى وكرّمونى بدرعٍ يقفُ فوق رفوفِ مكتبتى فى شموخٍ، وتُرجِمتْ قصائدى للغة الكردستانية الغنيّة، وشهدتُ بنفسى ثقافةَ الأكراد وتسامحَهم، لكننى لم أزُرِ بعدُ «بغدادَ» العراق. وكلُّ بلادِ الأرض إنْ زُرتها، لا يُعَوَّلُ عليها، إنْ لم يكن من بينها العراق. كنتُ حزينةً لأننى زرتُ بلادَ العالم كلَّها ولم أزرِ العراق!. كنتُ أتوق لمشاهدة الشمس الأجمل، لأنها شمسُ العراق، والظلام، كيف يكونُ الظلامُ أجمل لأنه ظلامُ العراق؟!، كما قال «السيّاب»: «الشمسُ أجملُ فى بلادى من سواها، والظلامْ/ حتى الظلامُ هناك أجملْ، فهو يحتضنُ العراق».

حين سقطتِ «الموصل» فى يد داعش السوداء بكيتُ وصمتَ لسانى عن الشدو والشِّعر. وحين تحرّرت قبل شهورٍ، على يد الجيش العراقىّ الباسل والحشد الشعبىّ المقدس، غنّيتُ وفاضَ الشِّعر على لسانى، فحملتُ عَلَم العراق فى يدى وفى قلبى، وذهبتُ إلى سفارة العراق بالقاهرة، لأحتفل مع السفير العراقىّ المثقف د. حبيب الصدر، وصافحتُه بفرحٍ، كأننى أصافحُ الفرحَ. العراقُ يعودُ إلينا بكامل بهائه بعدما يكتملُ، بإذن الله، إعمارُ ما هدّمته يدُ الويل الخبيثة. ويومًا قريبًا سنحتفلُ بالعراق العريق يعودُ بكامل شمسِه الأجمل وظلامِه الأشرق.

من مطارِ بغداد، الذى وصلتُ إليه الأمس مع الوفد المصرى، طرتُ إلى مدينة «البصرة» الساحرة، لأشاركَ فى مهرجان «المربد» الشعرى العالمىّ العريق. زرتُ «بصْريات» محمد خُضير، فتعرّفتُ على المدينة فى ثوبِها الألِق، ووقفتُ أمام تمثال الشاعر العظيم «بدر شاكر السيّاب» على ضفاف شطّ العرب، فهتفتُ فيه: «يا سيّابُ، صدقتَ وإن كان أجملُ الشعرِ أكذبه. وها أنا الآن أتدفأ بشمسكم الأجمل، وسوف أنامُ ليلتى فى حِضنِ ظلامكم الأجمل».

يا أهلَ مصرَ الطيبين، أرسل لكم حُبّى وأُحيّيكم من البصرة العراقية، وأكتبُ إليكم الآن من بهو الفندق، بينما أتناول قدحًا طيّبًا من القهوة العراقية، قصيدتى التى سأقرؤها غدًا الجمعة فى مهرجان المربد: «سُرَّ من رآك يا عراق»:

سأقولُ يومًا لأطفالى إنّنى زُرتُ العراقْ ووطئتُ أرضًا من قصيدٍ شاعرةْجالَ فوق ربوعِها غَسَقًانِفّرىٌّ وحَلاّجٌ أصمَعيٌّ وبشّارٌ  سيّابٌ وحيدرىٌّ ورَصافىّ  كاظمىٌّ وأعظمىٌّ  ملائكةٌ وجاحظٌ  فأىُّ طِيْبٍ يسكنُ الثَّرَىَ الثَّرِىَّ الذى  عليه نمشى  وأىُّ وَهَجٍ حارقٍ يشتعلْ  من ثُريّاتِ السَّماءِ التى  تكسو العراق  زرتُ العراقَ فلمْ أجدْ  إلا شوارعَ من ورودْ  راحتْ تضوعُ بعطرِِها  فأكادُ أسمعُها تقولْ  امشوا الهوينا يا رفاقْ  فإننى أرضُ العراقْ  أرضُ العَظائِمِ والعِظامْ  فى عُمقِ جوفى تشتعلْ  مشاعلُ النورِ القديم  وتحتَ طبقاتِى حناجرُ   لا تموتُ  فحناجرُ الشعراءِ عَصِيّةٌ  وأبيّةٌ  تأبَى السكوتْ  هيا أصيخوا السمعَ فإنَّ فى طميى حناجرَ لم تزل  تشدُو للنجومْ
 سأقولُ يومًا لأطفالى  إننى زُرتُ العراقْ  ورأيتُ ذرّاتِ الغُبارِ

جواهرَ  وألماسًا ودُرًّا  ورمالَ قُدّتْ من عقيقٍ  زرتُ العراقْ  فسمعتُ أحجارًا تُغنّى للشجرْ  وشهدتُ أطيارًا  تحطُّ بريشِها  مَنًّا وسلوَى  فوق مناكبِ العُشّاقْ هذى العراقْ  فى كل  ركنٍ  كانت شموسٌ  وأقمارٌ  وفى عينىْ كلِّ صَبيةٍ  أشرقتْ فراديسُ بابلَ  وسنابلُ من قمحِ النجفْ  وتمرةٌ من نخيلِ الموصلِ الحُرِّ  وقصيدةٌ من خيامِ البصرةْ  وموسيقى من خرائطِ نينوى  تقطعُ الأكوانَ  تصدحُمن دفاترِ الشعراءْ فتحيةً يا أرضَ العُلا  من أرضِ طِيبةَ جِئتُكِ إننى اليومَ فوق

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات